يرى الكاتب إلخان نوريف  أن انهيار الاتصالات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان لا يعكس تعثراً عابراً، بل يكشف تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث لم تعد تتجه نحو الحل بقدر ما تستقر داخل دائرة صراع مُدار طويل الأمد. يوضح الكاتب منذ البداية أن الدبلوماسية لم تختفِ، لكنها فقدت دورها التقليدي كطريق نحو التسوية.


يؤكد التحليل الذي نشره موقع كومن دريمز أن هذا النمط الجديد يعيد تعريف وظيفة التفاوض، إذ أصبح وسيلة لضبط التصعيد لا لإنهائه، بينما يستمر التوتر في الخلفية دون معالجة جذوره الحقيقية.


دبلوماسية بلا حل


يكشف المقال أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً واضحاً في شكل التفاعل بين واشنطن وطهران، حيث ابتعدت المفاوضات عن كونها عملية منظمة نحو اتفاق، وتحولت إلى اتصالات متقطعة تخدم أهدافاً تكتيكية. تستخدم الأطراف الحوار لإدارة المخاطر واختبار الحدود وإرسال إشارات تهدئة، بينما يستمر التنافس الاستراتيجي دون توقف.


ينتج عن ذلك مشهد متناقض؛ يستمر التواصل لكن تتآكل الثقة، وتتوسع القنوات الدبلوماسية بينما تتعمق الفجوة السياسية. يعكس هذا التحول واقعاً جديداً لم تعد فيه الدبلوماسية أداة للحل، بل وسيلة لمنع الانفجار الكامل.


اختلال استراتيجي عميق


يرجع الكاتب جذور الأزمة إلى اختلاف جوهري في الرؤية بين الطرفين. تتعامل الولايات المتحدة مع الدبلوماسية كامتداد للضغط عبر العقوبات والإشارات العسكرية بهدف تغيير سلوك إيران، بينما تنظر طهران إلى التفاوض كاختبار للصمود وسعي للاعتراف بدورها الإقليمي دون تقديم تنازلات جوهرية.


يخلق هذا التباين فجوة لا يمكن ردمها بسهولة، حيث يسعى طرف لفرض التغيير بينما يسعى الآخر للبقاء والتكيّف تحت الضغط. نتيجة لذلك، تبقى المفاوضات عالقة في مساحة ضيقة من الخلاف المُدار، دون تقدم حقيقي نحو تسوية.


منطقة تتكيّف مع عدم الاستقرار


لا يقتصر هذا الجمود على واشنطن وطهران فقط، بل يمتد تأثيره إلى الإقليم بأكمله. تلعب دول مثل باكستان دور الوسيط رغم محدودية تأثيرها، بينما تحاول قوى أخرى كتركيا الحفاظ على توازن دقيق بين الوساطة والاستقلال. تستفيد روسيا من استمرار التوتر عبر تشتيت انتباه الغرب، في حين تركز الصين على استقرار الطاقة دون الانخراط الأمني المباشر.


في هذا السياق، تتشكل بيئة إقليمية مجزأة، حيث لا تقف القوى الخارجية موقف الحياد، بل تشارك في إدارة حالة عدم الاستقرار، وأحياناً استغلالها.


ضغوط متعددة على إيران


يشرح المقال أن إيران تواجه مزيجاً معقداً من الضغوط العسكرية والاقتصادية والداخلية. لا يبدو احتمال اندلاع حرب شاملة مرتفعاً، لكن التصعيد المحدود يظل السيناريو الأقرب، عبر هجمات متفرقة وتوترات بحرية وعمليات غير مباشرة.


اقتصادياً، تعمّق العقوبات عزلة إيران، لكنها في الوقت نفسه دفعتها لبناء شبكات بديلة مع شركاء مثل روسيا والصين، ما يقلل من حافزها لتقديم تنازلات سريعة. داخلياً، تخلق الضغوط الخارجية حالة تماسك مؤقت، لكنها تغذي توترات طويلة الأمد داخل المجتمع.


منطق الصمود الاستراتيجي


يشير الكاتب إلى أن إيران تتبنى استراتيجية تقوم على الصمود وليس الحسم، حيث تحافظ على قدراتها الأساسية وتُبقي قنوات دبلوماسية محدودة دون تقديم تنازلات كبيرة. لا تهدف هذه الاستراتيجية إلى إنهاء الصراع، بل إلى التعايش معه.


في المقابل، تواجه الولايات المتحدة تراجعاً في فعالية أدواتها التقليدية، إذ لم يعد الضغط وحده كافياً لتحقيق تغيير ملموس، بل يؤدي غالباً إلى مزيد من التصلب وتعقيد المشهد.


دورة صراع طويلة


يخلص المقال إلى أن المسار الأكثر ترجيحاً ليس الحرب ولا السلام، بل استمرار دورة من المواجهة المُدارة، تتخللها فترات تصعيد وتهدئة دون حل نهائي. تبدو هذه الحالة مستقرة ظاهرياً، لكنها تحمل خطراً كامناً، إذ قد تؤدي تراكمات الأزمات إلى انفجار يصعب احتواؤه.


في النهاية، يوضح التحليل أن فشل محادثات باكستان لا يمثل نهاية حدث دبلوماسي فقط، بل يكشف حدود الدبلوماسية الحالية، ويؤكد أن غياب معالجة الخلل الاستراتيجي سيبقي العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران عالقة في دائرة صراع مستمر بتكلفة متزايدة على استقرار المنطقة والأمن العالمي.

 

https://www.commondreams.org/opinion/us-iran-diplomacy-is-entrenching-crisis-not-ending-it